2 حملة للنظافة بسيدي علال التازي


لا يخفى على جميع السكان ما تعانيه شوارع وأزقة جماعة (سيدي علال التازي) من الإهمال في مجال النظافة، رغم المحاولات والمجهودات البائسة والخجولة التي بُدلت بدون نتيجة ملموسة على أرض الواقع. وقد تقع المسؤولية على المواطنين وعلى المسؤولين على حد سواء، لكون البيئة والاهتمام بها أمر يخص الطرفين معا، وهو مجال تشاركي، ولا يُستثنى من المسؤولية أحد، خاصة إن تسرب سرطان الإهمال إلى كل فرد داخل هذا المجتمع الصغير.
ولهذا وبموازاة مع اليوم العالمي للبيئة أطلقت جمعية الأحبة للفن والثقافة، بتعاون مع جمعيات أخرى، حملة تطوعية تدعو أن يشارك فيها أفراد مجتمع سيدي علال التازي لتنظيف الشارع العام والأحياء والأزقة، هادفة من خلال نشاطها هذا أن تحسس المواطنين والمواطنات داخل المجتمع بضرورة الاهتمام بنظافة البيئة وفرض الوعي التطوعي الذي صار نادرا وتفتقر إليه ثقافة الكثيرين من الناس. ولكون هذه الحملة هي الأولى على صعيد المنطقة فهي لا تخلو من رسالة مشفرة للطرفين معا - المواطن والمسؤول- لإعادة النظر في السلوكيات التي تضر البيئة وإن كانت تجلب منفعة شخصية أو ربحية، لكنها تهدم المصلحة العامة التي تخص الجميع. فكما يهتم الفرد بنظافة بيته وباب داره فعليه تقع المسؤولية كذلك في توجيه النظر إلى محيطه وحيه الذي هو محل سكنه. فجاءت المبادرة في هذا السياق تحت شعار: «البيئة مزينة بيك أنتَ وأنتِ وأنا».
أبو حسام الدين

6 قراءة في أضمومة "تنوء بحلمهم"

الموضوع نشره لي موقع دارنا بريس
●  مقدمة
    إننا بصدد مجموعة قصصية للقاص المغربي حميد الراتي. إصدار جديد بعنوان "تنوء بحلمهم" من 79 صفحة، عن دار الوطن للصحافة والطبع والنشر. حجم الكتاب صغير، تتوسط غلافه صورة تشكيلية للفنان المغربي فؤاد العنيز. وكتب مقدمته القاص مصطفى الكليتي.

     مما لا شك فيه - لمن قرأ للقاص حميد الراتي - أن خياله واسع وشاسع وبعيد المدى، أسلوبه شاعري نابض بالحياة، تحادي حبكته السردية الواقع وتعانق روح شاعر منطلق في ملكوت الإبداع. وهذا ما ازداد تأكيده في إضمامته القصصية "تنوء بحلمهم" التي تناولت 17 قصة، محورها الرئيسي هو المعاناة، التي تعددت أشكال بروزها في نصوص المجموعة، فهي حينا اجتماعية وحينا ثقافية وأخرى اقتصادية.. فالقاص باح بكل شواغله الفكرية والشعورية من خلال هذه الإضمامة، هي بالنسبة له مساحة أتاحت مزيدا من الرحابة فأحسن فيها السرد بإبداع أدبي، مضمنا مشهوده اليومي من حركة الحياة ونبض الشارع والسوق والقرية... وما يعانيه المحيط الاجتماعي من التهميش القاهر، فمنحت هذه البيئة المحيطة بالكاتب هذا الفضاء المتسع لينطلق البوح بسجية صادقة، عاكسا صور الواقع التي لا تخفى على كل مواطن يعيش على تراب الوطن، ويرى منه الجانب القابع خلف العتمة. حميد الراتي أبدع في الوصف والتشكيل، وفي خلق عمل أدبي حي يميل إلى الواقعية، ولا يخلو من طابع الشاعرية الممتعة التي تضفي على السرد عذوبة نقية صافية بصفاء اللغة المتاحة من جواهر البيان. كما أنه أحسن توظيف العامية (الدارجة) في بعض أماكنها حين تلجأ شخصيات السرد إلى التعبير عن نفسها، بلهجة "غرباوية" نابعة من الوسط والبيئة، وهذا ما أطعم تلك القصص أكثر فبدت حية وشخصياتها المحورية أكثر واقعية وإن كانت من وحي خيال الكاتب.

●   قراءة
     سأحاول بنظرة لامحة إبراز بعض ما أومأت إليه هذه المجموعة القصصية من القضايا المتعلقة بالصيرورة المشتركة:
الهجرة السرية؛ هي حلم أغلب الشباب ولاسيما في فترة السنوات السابقة، بها بدأ أحد نصوص المجموعة، تحت عنوان "السراب"، وكأنها إشارة إلى أن وهم الهجرة ما كان إلا سرابا اضمحل وذهب ضحيته الكثيرون، ابتلعهم البحر وعاد من عاد منهم خائب الرجاء. وبما أن البطالة كانت من بين الأسباب التي دفعت وتدفع الشباب إلى خوض هذه التجربة القاتلة، على متن قوارب تحمل أكبر عدد ممكن من الركاب، بحثا عن عيش كريم وحلم قد يتحقق على ضفاف أخرى. لهذا لم يغب الأمر عن كاتبنا بحيث تناول مشكل البطالة ضمنيا سواء داخل القصة الأولى "السراب"، أو تصريحا في سياق نص آخر بعنوان: "سوف تشرق من جديد" حيت رحلة البحث عن العمل دون جدوى، ودون انقطاع الأمل.

جاءت قصة "احتراق" مختزلة لمأساة الفقر والعوز والحرمان، والاستغلال الجنسي للمرأة، وسقوط معاني الكرامة الإنسانية تحت أقدام من نالوا حظا من البحبوحة والرفاهية. رغم جهاد المعوزين والبؤساء من أجل تحقيق كرامتهم. نقرأ: « سأناضل من أجل حقك في الكرامة، نامي حبيبتي قريرة العين، فلن يضيع عرقك بعد الآن».

في نص أخر بعنوان "أبهة" يعرض الكاتب بالوصف واقعا لا يكاد يختلف وإن اختلفت البيئة والأشخاص. أولئك المخلوقات التي تتسم بالأبهة والأناقة والتظاهر بالصلاح والإصلاح، تلك الشخوص التي تظهر في مواسم الانتخابات، تستغل حاجة المعوزين وتعاسة الأشقياء المحرومين، تتخذ من الظهور جسورا تعبر عليها، ثم تختفي.

الوطن؛ اختزله حميد الراتي في مفهوم القرية، جسد الارتباط به في سياقات متعددة من السرد، مثل هموم القرية ومعاناتها، وهاجس الغربة والحنين إلى الحضن، كلها أمور كانت واضحة السمة على النصوص القصصية. في "خلف العتمة" نقرأ: « تدركين ضيق اللحظة وقلة الحيلة...
تدركين أن الدموع ليست جرما إن تركت للانسكاب حزنا على الوطن المتبخر».

والوطن عند الكاتب هو الملجأ والمَعاد في حال التعب، هو حضن الأم الرءوفة الرحيمة. تفاصيله تحيا في دواخلنا، مهما ابتعدنا نعود، يجبرنا وخز الاشتياق والحنين. نقرأ في "رائحة الوطن": « لثمت ترابه المسجى بحلة إسفلت ذائب، اشتممت هواءه المنعش من سقاية تتوسط الدوار الذي أصبح مدينة صغيرة في طور الانبعاث، غسلت ثوبي من أدران البلاد البعيدة، من أدخنة سجائرها، من سكْرها المائع وعريها الفاضح، تركت حقيبتي يحرسها الأمان، وكنت كمن يعدو باحثا عن مفقود..».

لم يغض الكاتب طرفه عن القضية الأم؛ فلسطين الجريحة. رغم كل الجراح المحلية وتلك المعاناة المحلقة كطيور الغربان على سماء منطقة الغرب بالمغرب، التي تحاول أن تنفض عنها رداء التعاسة، رغم هشاشة مجال الصحة (حينما تحترق الورود) والتعليم (رحلة الشتاء والصبح)، والأمية الطاغية (المشكاة)، والتهميش الذي صار سيد الموقف كله (خلف العتمة). رغم كل هذا فهاجس الارتباط بأرض المقدس حاضر في قصص حميد الراتي، كما هو حاضر في وجدانه الحسي والأدبي. نقرأ في "مشهد بالأحمر والأسود": « (...) فلتسامحنا أيها الحامل في وجه الأوباش حجرا، فقد بعناك عن سبق وعي وإصرار، وتركناك مسربلا بوداعتك نحن الذين استبحنا الخراب فيك، ومنحنا لجلادك تأشيرة الحياة بدل الموت».
أما في قصة "غضب ويقين" قال: « وقفَت هنيهة تتابع مطاردة جيش الاحتلال لأحد الفدائيين، وفي الضفة المجاورة امرأة تتشبث برضيعها وهم يحاولون انتزاعه من حضنها، تتوسل بكل هلعها، وترنو جهة الدرب لترى تقاذف الأحجار الغاضبة، ثم يخطف بصرها منظر فتى تخترقه الرصاصات الغادرات فيترنح معانقا دفء التراب ».

●  دلالة العنوان
    المجموعة القصصية حملت بين طياتها أحلاما وآمالا رغم الآلام الظاهرة، حلم العاطلين، حلم الأميين والبسطاء من الناس، حلم الفقراء والمعوزين حلم المواطن والعامل، حلم الفلسطيني.. كل هؤلاء لهم أحلام مختلفة تتعدد صورها لتعدد الظروف، بيد أن هناك خيط واصل بينها يجمعها(الصور)، فهي تتعاضد لتطرح لنا حلما موحدا ومشتركا بين الكل، هو الكرامة والعيش الكريم، والحياة الكريمة التي من حق أي إنسان خلقه الله على الأرض وكرمه. هذا هو ما تنوء به هذه المجموعة، ولعل العنوان لم يختره الكاتب اعتباطا فهو له دلالة قوية على ذلك، فإفراد الحلم وربطه بضمير الغائب "هم" يشير بقوة إلى أن ما قدمته –المجموعة القصصية- هو عامل مشترك بين أولئك الذين جاءت شخصياتهم وبيئاتهم ضمن أغلب قصصها، يحملون نفس الهاجس الذي تحمله المدينة بأرضيتها وجدران بيوتها وأسواقها ومحلاتها...
الأضمومة مثقلة بحلمهم تنهض لتبرزه حرفا جليا يُقرأ رغم ثقله، لكن جسارتها أقوى، علمتها الحياة - في شخص كاتبها- أن لا تستسلم، وأن الشمس سوف تشرق من جديد.

    بحق إن مجموعة "تنوء بحلمهم" تفتح الباب على مصراعيه لوصف واقع مر مثقل بالجراح بكل آلامه وكذا آماله، واقع يتعب وجدان كل مبدع فتح عينيه على محيط وبيئة فغدا يسرد وينقل الصورة كما هي دون تجميل ولا تزويق، صورة طبقا الأصل، بأسلوب أدبي فني، وبملكة شاعر يبدع التصوير ويسوق المجاز الغير مخل بنظام الحبكة والسرد.

أبو حسام الدين/ رشيد


12 آذاك اللايم


آذاك اللايم..


سوق كلامك بالمهل

شحال من زلة نخاف تعود عليك

ترجع نادم

والدنيا دوارة

والزمان كيف عرفتو وعرفتيه

ما يحزر بنادم

يا ذاك اللايم

لا تجعل من كلامك حجرة

والطف القول يرجع ليك الجواب سالم

إلا عدمْتِ الحُجة

فالصمت حكمة، وهو تاج الحكايم.

بقلم: رشيد/ أبو حسام الدين

معلومات عن  اللوحة: اللوحة في أعلى مأخوذة من هنا . وهي للرسام المغربي عبد الفتاح الكرمان. 
الرسم يجسد شيخا في زي خاص. يدعى بالعامية "الكّراب" (بالكاف المعقوفة) أو "القراب" يحمل قربة من الجلد مملوءة بالماء، يسقي العطشانين. كانت هذه الحرفة قديما تقوم مقام محلات بيع الماء المثلج الموجودة حاليا في كل الأماكن.
مهنة "الكّراب" صارت إلى الانقراض إلا ما تبقى ممن يزاولونها في المدن العريقة كمراكش وفاس... وبالتحديد في الأماكن التي يتوافد عليها السياح.

6 قراءة في كتاب جيدالا


     هذه قراءة - بسيطة ومُلخصة - في كتاب الأخ د. مصطفى سيـــف الدين الذي يحـتوي علــى قصتين بعنوان: جيـــدالا ومـيـن.(للتحميل)
وقد رأيت أن أنشر هذه القراءة هنا رغبة في تشجيع هذا الكتاب الالكتروني ودعمه لكونه يضيف إلى التدوين العربي شيئا جديدا.

      "جيدالا ومين" قصتان نبعتا من خيال الكاتب الخصب. ولا غرابة في ذلك، فقد عهدته واسع الخيال، متقد الفكر، يُجيد ابتكار الأحداث بشكل يميل إلى الخيال العلمي.
بعد قراءتي للقصتين على التوالي وفي نسق واحد تبينت لي قدرته على خلق الشخصيات الأسطورية، وكذا المحيط الخيالي ، ويضفي على القصة طابع الواقعية محاولا إقناع القارئ أن ما يحكيه ليس خيالا بل قد يكون حقيقة تراه العيون، وذلك باعتماده على الرمز الذي يحيل على ما يوازي أحداث الواقع السياسية أو الفكرية والاجتماعية، أو تعبيرا منه عن رأيه داخل القصة مشيرا للواقع بالتصريح أو التضمين أحيانا.
"جيدالا" و"مين"، تعالج قضية الخير والشر، والتدافع الذي بينهما منذ الأزل إلى أن تقوم الساعة، وطبعا هذه الفكرة ليست وليدة اليوم فحسب، فأغلب الفلسفات والأساطير القديمة تعالج هذه المسألة، ابتداءً بالثقافة اليونانية إلى البوذية وطبعا نفس الشيء سنجده في المعتقدات الفرعونية، وغيرها... حاول الكاتب في "مين" المزج بين التاريخ والحاضر مستمدا من الأول القوة: (الشخصيات، والمعتقدات)، ليرسل رسائلا قوية تفيد أولِي النهى، من ضمنها (أي من ضمن الرسائل): الغلبة لأصحاب الطهر والنقاء الروحي... لكنه لم ينف أن الشر لن يعود، بل أكد ذلك في وجود الصندوق الذي إن وقع في الأيدي العابثة سيعود الشر وتتكرر القصة والأحداث... هذا ضمنيا يُحيل على أن الشر في الأرض لن ينقطع، وسبل الإصلاح مطلوبة وضرورية، أو ما أسميتُه أنفا سنة التدافع، وهذا المفهوم هو نفسه يوجد في سياق الخطاب القرآني: ( ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكن الله ذو فضل على العالمين).
لم تخلُ القصتان من الجانب العاطفي والحسن الإنساني الرفيع (الحب، الاشتياق، الأحلام، الأمل، تواصل الأرواح...) الذي هو عنصر مهم في حياة البشر، فجفافه يعني موت الباطن، ولهذا كان وجوده أمرا جوهريا.
25/04/2012

14 فيسبوكيات أبريل


من بين الإشارات التي دونتها على حائط صفحتي في الفيسبوك خلال الفترة الأخيرة، هي:

● سألوني لماذا تكره الكرة؛ يتكرر السؤال والاستغراب أكثر حين يلعب الفريق الوطني وأنا لا أهتم. لماذا تنتظرون الجواب يا سادة؟ فواقع كرة القدم يجيب بأجوبة قاتلة للأسف. آلا يكفي هذا؟
(تعليق على أحداث الشغب بملعب كرة القدم في مدينة الدار البيضاء)

● الرجل حين يحب يود أن يخبر العالم حوله، أن يهتم الجميع بتفاصيله وأنفاسه العاشقة..
المرأة حين تحب تستثر خلف المشاعر، تخفي ودادها في صمت، تتجاهل إن افتضِح أمرها.

● الحكيم قد يستعين بحكايات تنطق فيها الحيوانات أو الجمادات... لإبلاغ حكمته لمن لا يطرق أسماعهَم ولا أفهامهم الكلامُ والتلقينُ المباشر، إلا إذا جاء عن طريق اللهو والسخافات...

● من الغباء أن يظن الشخص أن الناس أغبياء. هناك فرق بين الاقتباس والسرقة.

● بعض العبارات تأتنا ولها دلالة مقصودة، نفهمها جيدا، ونفهم الرسالة التي تبطنها. ومن الجميل لو أخذنها بمبدأ "أبو العبر" حين قال لأحد الولاة اسمه إسحاق:
"الكشكية أصلحك الله لا تطيب إلا بالكشك فضحك إسحاق وقال هو فيما أرى مجنون. فقال لا هو امتخط حوت. قال أيش هو امتخط حوت؟ففهم ما قاله وتبسم ثم قال أظن أني فيك مأثوم.
قال لا ولكنك في ماء بصل.
فقال أخرجوه عني..."
عندما يكون الكلام على سبيل الاستهزاء، يكون تأويله أريح، أو حمله على غير ظاهره، حتى لا يُترك للمستهزئ مجال.
(ذكرت حكاية أبو العبر في الأغاني للأصفهاني).

● سلم الترقي، إلى ما ينافي التلاقي:
- طرح الفكرة - معارضة الفكرة – الرد - رد فعل - مهاجمة الشخص - إهمال الفكرة - السب - رد السب - الجهل - قامت الحرب...

● قضية الانهزام لا نستشعرها إلا حين ينهزم فريق لا تجمعنا به أية رابطة عرقية ولا ثقافية ولا وطنية، رغم أننا غارقون في بحر الانهزامات منذ صرنا خلف الركب. أو ربما تلك ليست قضيتنا!.
أبو حسام الدين


19 من أين نبدأ؟


صار كل من تحدثه يعطيك درسا في التغيير وضرورته، ويحلل ويناقش على حسب مقاسه وعلى قدر فهمه للتغيير والإصلاح، منتقدا المجتمع بأفراده وإداراته ومسؤوليه...
لا بأس من ذلك فهو أمر محبذ وجميل ومن الرائع أن يكون هم الإصلاح ديدن الجميع، فالماء الراكد الغير متحرك يفسد ويتغير لونه وطعمه، ولا يجوز لا لشرب ولا لوضوء.
لا غضاضة أن يفكر الجميع في نهج سبل التجديد ونشدان الإصلاح، فالزمن متغير والعصور، والأفكار تتبدل، والاستقرار ليس من طبيعة الحياة... ولكنه في المقابل هل فكر أحد منا أن يبحث عن نقطة البداية؟ من أين يبدأ هذا التغيير وهذا الإصلاح؟ وأين هي بداية سبيل التجديد؟
نعم، ما أسهل الكلمة وما أروعها، وما أنعمها على الأمل الذي تبعثه في النفوس، وفي نفس السياق ما أصعبها.
لا أظن أن نقطة البداية تكون من المنتصف، أو بحرق المراحل أو بأن نبدأ من النهاية قبل البداية. كما أنه لم تكن النفس يوما خارجة عن إطار الحياة والمجتمع، فالنفس يعود خيرها على الفرد، ثم على البيت، ثم على الحي، على المدينة، على الدولة..المنطلق هو النفس، وحين تفوح بالخير تشمل محيطها. والبشر كلهم نفوس تجمع بين الخير والشر، فلنتصور لو غلب جانب الخير على جانب الشر فينا، كيف ستكون النتيجة، أو تصور العكس، فبضدها تتضح الأشياء.
التغير ومن ينشده يبدأ بإقامة العدل مع أنفسنا أولا، وتغيير سلوكيتنا ثانيا. ليس منطقيا أن نتصور بأذهاننا نماذجا من المجتمعات ونحن لم نعمل أن نكون نموذجا يستحق ذلك المجتمع، أن نحاول محاكاة قوالب متقدمة ونحن نفتقد العدل مع أنفسنا أولا.
السلوك الفردي داخل المجتمع يعطي صورة واضحة بجدية نشدان التغيير، فلم يكن الفقر والظلم، وغيره... مثلا مبررا من المبررات في عدم نهج سلوك قويم يحافظ على المجتمع، ويعود بالنفع عليه. حين تجد من لم يتعلم بعد رمي القمامة في مكانها المخصص، وحين تجد من يهتم فقط بنظافة بيته وبابه داره، وحين تجد من يعطي الرشوة وهو يتباهى بذلك، وحين وحين.. تجد من يخرب الملك العام، ويسرق المؤسسات بدعوى أن الكل في "هاذ البلاد شفار" حين تجد من يسوق سيارته ولا يحترم قانون السير إلا بحضرة شرطي المرور؛ وقس عل ذلك.. وبعد هذا تجده ينادي بالتغيير، فعن أي تغيير يتحدث من كان مخربا ولم يحاول قط أن يغير سلوكه كإنسان يعلم أن أي عمل بسيط مهما تضائل فهو مع التكرار ومع شيوع بلواه يصير كارثة. وقد صار من تكلمه عن تحسين سلوكه يجيب: "شفتيني غير انا؟"، هل صار المخطؤون في عصرنا قدوة يقتدى بها؟ آلا يكفي أن أكون أنا إنسانا صالحا بسلوكي؟..
نعم، "شفتك غير أنت" لأنك تمثل واحدا من المجتمع، وأنا وأنت وهو وهي وهم وهن.. الكل واحد في النهاية مادام المجتمع يضم الجميع، فلو كل واحد زج بقاذوراته، فلن تجد لك مكان يا صاح، ولو أن كل واحد أطلق العنان لشره لصار المجتمع غابة، لا تميز فيها الانسان من غيره.
من هنا نبدأ التغيير من أنفسنا من ذواتنا ومن سلوكياتنا، فحين خاطبنا القرآن قال: (يا أيها الذين آمنوا قو أنفسكم وأهليكم نارا..) البداية بالنفس أولا؛ ومن لم يصلح اعوجاجه فلن يؤثر على واقعه، و لن ينجح تغيير مهما رفعنا أصواتنا إن لم نقم أسسه على أنقاض الأنانية والإهمال، ثم لا فائدة من تغيير لا يأتي بالصلاحين: صلاح الفرد ومن يتولى أمره، لأن الأول هو من يصنع الثاني، وليس العكس.

أبو حسام الدين


 
Free Web Hosting